أطلقت مصر، يوم الاثنين، المرحلة الثالثة من حملة أمنية موسعة لمكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية، بالتزامن مع شروع السودان في التحقيق بشأن غارات جوية دامية استهدفت منقبين محليين عن الذهب قرب الحدود بين البلدين، وفقًا لما أوردته «المنصة» في تقريرها.


وأثارت الحملة العسكرية اتهامات أطلقتها جماعات حقوقية وائتلافات سياسية سودانية، حمّلت فيها القوات الجوية المصرية مسؤولية ما وصفته بـ«مجزرة وادي النيل»، في إشارة إلى قصف جوي قيل إنه أودى بحياة عشرات المنقبين المحليين عن الذهب.


وأعاد الحادث إثارة الحساسيات الحدودية، واختبر العلاقات بين القاهرة والخرطوم، وسط تضارب التقارير بشأن أعداد الضحايا والسيادة على المناطق الحدودية.


وزادت حدة التوتر بين البلدين بعدما قُتل سائقا شاحنتين مصريين وأصيب ثالث في حادث إطلاق نار بالعاصمة السودانية الخرطوم. وأعلنت وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج أنها تتابع الواقعة عن كثب.


وقالت الوزارة، في بيان نشرته عبر منصاتها الرسمية، إن الوزير بدر عبد العاطي وجّه السفير المصري إلى التواصل سريعًا مع السلطات السودانية لكشف ملابسات إطلاق النار والاطمئنان على السائق المصاب.


وأكد السفير نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، أن السلطات السودانية أبلغت الجانب المصري بإلقاء القبض على مرتكب الحادث.

 


الجيش المصري يعلن حملة أمنية لحماية الحدود ومكافحة التنقيب غير القانوني


أكد المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، مساء الاثنين، مشاركة عناصر من الجيش والشرطة في الحملة الأمنية بالصحراء الشرقية.


وأوضح المتحدث أن العملية جاءت «بعد إسقاط منشورات تحذيرية على العناصر الإجرامية، لفرض السيادة الكاملة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مواردها وثرواتها القومية».


ودعت القوات المسلحة المواطنين إلى عدم «الانسياق وراء الشائعات المغرضة والأجندات الخارجية التي تستهدف زعزعة العلاقات الأخوية بين الشعبين المصري والسوداني»، مستشهدة بـ«التعايش السلمي الذي يتمتع به ملايين السودانيين على الأراضي المصرية»، باعتباره دليلًا على عمق الروابط الثنائية على المستويين السياسي والشعبي.


وفي بيان صدر الاثنين، شدد المجلس الانتقالي السوداني على «ضرورة التعامل مع الحادث بجدية لضمان كشف الحقائق، إلى جانب حماية الحدود واحترامها».


وأشار المجلس إلى أن قيادتي البلدين الشقيقين تواصلتا فور وقوع الحادث، بهدف حماية الأرواح والحفاظ على العلاقات بين الشعبين، وتحديد ملابسات الواقعة وإطلاع الرأي العام على الحقائق، دون توجيه اتهامات مباشرة إلى الحكومة المصرية.


وتقع منطقة «وادي النيل»، التي تضم رواسب للذهب، من بينها جبل عُقيدات، في أقصى شمال السودان بمحاذاة الحدود المصرية، ولا تُعد منطقة متنازعًا عليها. لكن غياب العلامات الحدودية الواضحة يجعل المنقبين عرضة للدخول إلى مناطق تشهد توترات حدودية، بسبب عدم وضوح الترسيم على الأرض، وفقًا لما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

 


تضارب أعداد الضحايا واتهامات سودانية للقوات الجوية المصرية


تباينت أعداد القتلى والتقديرات المتعلقة بموقع الغارة الجوية في البيانات الصادرة عن جماعات حقوقية وائتلافات سياسية سودانية.


وأشارت مجموعة «محامو الطوارئ» السودانية، التي تعرّف نفسها بأنها كيان حقوقي مهني تطوعي مستقل، إلى أن المعلومات الأولية تفيد بمقتل 72 شخصًا.


وقالت شبكة أطباء السودان إن القصف استهدف «منطقة داخل المثلث الحدودي سبق أن صدرت تحذيرات للمنقبين بشأن وجودهم ونشاطهم في مواقع تعدين محددة، وسط تقارير عن تلقي المنقبين تنبيهات من الجانب المصري لإخلاء مناطق بعينها».


وأضافت الشبكة، التي تصف نفسها بأنها منظمة مدنية وطنية غير حكومية تضم كوادر طبية سودانية، أن الغارة أسفرت عن مقتل نحو 13 شخصًا وإصابة أكثر من 28 آخرين.


ورجحت الشبكة ارتفاع حصيلة القتلى بسبب خطورة الإصابات، فضلًا عن الصعوبات الكبيرة التي تواجه الوصول إلى الخدمات الطبية وخدمات الطوارئ في المنطقة المستهدفة.


من جانبه، رفع ائتلاف «تأسيس»، الذي يضم قوى سياسية سودانية متعددة، تقديراته الأولية لعدد القتلى إلى «أكثر من 200 قتيل وعدد كبير من الجرحى».


واتهم الائتلاف «القوات الجوية المصرية» بتنفيذ الهجوم، معتبرًا أن «الانتهاك المستمر لسيادة السودان وسلامة أراضيه وسفك دماء مواطنيه يكشف حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها بشأن النوايا المصرية وأطماعها في موارد السودان».


وقال أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني، في منشور على منصة «إكس»، إن معالجة الانتهاكات الحدودية لا تبرر اللجوء إلى القصف الجوي، في ظل وجود قنوات اتصال متعددة لمعالجة المشكلات المتعلقة بالحدود.


ونقل ناجٍ يُدعى عبد العزيز يوسف، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، أن طائرة قصفت منجمًا أهليًا للذهب في منطقة جبلية صباح السبت، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين، فيما فر آخرون خوفًا من تعرضهم لغارات جديدة.


وأضاف يوسف أن طائرة مقاتلة ظهرت في السماء نحو الساعة الثامنة صباح السبت، ثم «قصفت خمس مرات، وقُتل كثيرون»، موضحًا: «ركضنا إلى أعلى الجبل، ونحن مذعورون من احتمال وقوع ضربة أخرى».


وأكدت «المنصة» أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات، مشيرة إلى أن الحكومة المصرية لم تصدر تعليقًا رسميًا على الحادث حتى موعد نشر التقرير.


لكن بيانًا لوزارة الخارجية المصرية أشار إلى اتصال هاتفي جرى الاثنين بين الوزير بدر عبد العاطي ونظيره السوداني محيي الدين سالم، شدد خلاله الجانبان على «الاحترام المتبادل الذي تقوم عليه العلاقات بين البلدين، بما يشمل احترام سيادة كل دولة ووحدتها وسلامة أراضيها وحدودها».


وأظهرت صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تتمكن «المنصة» من التحقق بصورة مستقلة من صحتها، عشرات الجثامين وسط الأنقاض، فيما لُفّت جثامين أخرى في أكفان.

 


حملة إلكترونية للمطالبة بالتحقيق وغارة جديدة على مناجم الذهب


أطلق ناشطون سودانيون حملة إلكترونية تحت شعار «حقوق المنقبين عن الذهب»، للمطالبة بإجراء تحقيق عاجل في الهجوم على المنقبين الأهليين، متهمين الجيش السوداني بـ«الفشل في حماية سيادة السودان».


واستغل بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الحادث للمطالبة بالتدخل من محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي»، قائد قوات الدعم السريع والخصم العسكري والسياسي الرئيسي لمجلس السيادة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.


وتحظى قيادة البرهان بدعم مصري، باعتبارها الممثل المعترف به للدولة السودانية ومؤسساتها المركزية.


ويُعد هجوم السبت ثاني حادث من نوعه يستهدف منطقة جبل عُقيدات خلال العام الجاري، بعدما تعرضت المنطقة لغارات جوية في يونيو أسفرت عن مقتل 23 عاملًا في موقع غير رسمي للتنقيب عن الذهب.


وزار البرهان آنذاك منطقة الرتج المستهدفة في محلية حلايب بولاية البحر الأحمر، وقال إن الحكومة تتابع بقلق التقارير المتعلقة بالاحتكاكات الحدودية، وتتحمل المسؤولية الكاملة عن حماية مواطنيها، وستحقق في الحوادث. لكن نتائج التحقيق لم تُعلن للرأي العام.


ولم تعلن مصر مسؤوليتها عن الغارة السابقة، غير أن المتحدث العسكري المصري أعلن حينها تنفيذ القوات المسلحة «حملة واسعة النطاق» بالتعاون مع وزارة الداخلية، استهدفت عددًا من البؤر الإجرامية التي تستغلها شبكات إجرامية لممارسة أنشطة غير قانونية، من بينها الاتجار بالمخدرات والأسلحة، والتنقيب غير القانوني عن الذهب، والهجرة غير الشرعية.


وأشار البيان العسكري آنذاك إلى أن الحملة أسفرت عن القبض على عدد من المتورطين في هذه الأنشطة، بينهم 87 مصريًا و136 أجنبيًا، وضبط 14 مركبة وأجهزة اتصال لاسلكي ومبالغ مالية بالجنيه المصري وعملات أجنبية، إلى جانب كميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، ومصادرة معدات تُستخدم في التنقيب غير المشروع عن المعادن.

 

https://almanassa.com/en/news/34380